الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
49
مختصر الامثل
وقد جاءت هذه الآية جواباً لقولهم : وما الرحمن في قوله : « وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ » . [ الفرقان ] قالوا وما الرحمن ؟ وقد روي أنّه لما نزل قوله « قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ » قالوا : ما نعرف الرحمن إلّاصاحب اليمامة . فقيل لهم « الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْءَانُ » أي : علم محمّداً صلى الله عليه وآله القرآن ، وعلّمه محمّد صلى الله عليه وآله أمته « 1 » . وعلى كل حال فإنّ لاسم « الرحمن » أوسع المفاهيم بين أسماء الباريء عزّ وجل بعد اسم الجلالة ( اللَّه ) لأنّنا نعلم أنّ للَّهرحمتين : ( الرحمة العامة ) و ( الرحمة الخاصة ) واسم « الرحمن » يشير إلى رحمة اللَّه العامة التي تشمل الجميع ، كما أنّ اسم « الرحيم » يشير إلى « الرحمة الخاصة » بأهل الإيمان والطاعة ، ولعله لهذا السبب لا يطلق اسم الرحمن على غير اللَّه سبحانه ( إلّا إذا كانت كلمة عبد قبله ) ، أمّا وصف « الرحيم » فيقال لغير اللَّه أيضاً ، وذلك لأنّه لا أحد لديه الرحمة العامة سوى اللَّه تعالى ، أمّا الرحمة الخاصة فإنّها موجودة في المخلوقات وإن كانت بصورة محدودة . وهنا يطرح التساؤل التالي : من الذي علّمه اللَّه سبحانه القرآن الكريم . إنّ هذه السورة تبيّن الرحمة الإلهية للإنس والجن ولذا أكّد سبحانه إقرارهم بنعمه إحدى وثلاثين مرّة ، وذلك بقوله : « فَبِأَىّ ءَالَاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ » . والأنسب هو أنّ اللَّه علّم القرآن للإنس والجن بواسطة نبيّه الكريم محمّد صلى الله عليه وآله . وبعد ذكره سبحانه لنعمة القرآن التي لا مثيل لها ينتقل إلى أهمّ نعمة في الترتيب المذكور ويقول : « خَلَقَ الْإِنسنَ » . من الطبيعي أنّ المقصود هنا هو نوع الإنسان وليس آدم عليه السلام فقط . وإطلاق كلمة ( البيان ) التي تأتي بعد خلق الإنسان دليل على عمومية كلمة الإنسان . إنّ ذكر اسم « الإنسان » بعد « القرآن » هو الآخر يستوجب التأمل ، ذلك لأنّ القرآن الكريم يمثّل مجموعة أسرار الكون بصورة مدوّنة « الكتاب التدويني » ، والإنسان هو خلاصة هذه الأسرار بصورة تكوينية « الكتاب التكويني » ، كما أنّ كل واحدة منها هو صورة من هذا العالم الكبير . وتشير الآية اللاحقة إلى أهمّ النعم بعد نعمة خلق الإنسان حيث يقول الباريء عزّ وجل : « عَلَّمَهُ الْبَيَانَ » .
--> ( 1 ) تفسير مجمع البيان 9 / 329 .